أحمد مصطفى المراغي

143

تفسير المراغي

في الدنيا ونيل الثواب في الآخرة ، وبألسنتكم بالحمد والتكبير والدعاء وعلى كل حال تكونون عليها من قيام في المسابقة والمقارعة ، وقعود للرمى أو المصارعة ، واضطجاع من الجراح أو المخادعة ، فذكر اللّه مما يقوّى القلوب ويعلى الهمم ، ويجعل متاعب الدنيا حقيرة ومشاقها سهلة ، والثبات والصبر يعقبهما الفلاح والنصر كما قال تعالى في سورة الأنفال « إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ » . والخلاصة : إننا أمرنا بالذكر على كل حال نكون عليها في الحرب كما يدل على ذلك السياق ، فأجدر بأن نؤمر به في حال السلم ، إلى أن المؤمنين في جهاد مستمر وحروب دائمة ، فهم تارة يجاهدون الأعداء ، وأخرى يجاهدون الأهواء ، ومن ثم أمرهم اللّه بالذكر في كثير من الآي كقوله « الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِهِمْ » لما في ذلك من تربية النفس وصفاء الروح وتذكر جلال اللّه وعظمته ، وأن كل شئ هيّن في سبيله وابتغاء مرضاته . وقد روى ابن جرير عن ابن عباس أنه قال : لا يفرض اللّه على عباده فريضة إلا جعل لها جزاء معلوما ، ثم عذر أهلها في حال العذر ، غير الذكر فإن اللّه لم يجعل له حدا ينتهى إليه ولم يعذر أحدا في تركه ، إلا مغلوبا على عقله فقال : فاذكروا اللّه قياما وقعودا وعلى جنوبكم : أي بالليل والنهار في البر والبحر ، وفي السفر والحضر ، والغنى والفقر ، والسقم والصحة ، والسر والعلانية ، وعلى كل حال اه . ( فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ ) الاطمئنان : السكون بعد اضطراب وانزعاج : أي فإذا سكنت قلوبكم من الخوف وأمنتم بعد أن تضع الحرب أوزارها فأدوا الصلاة بتعديل أركانها ومراعاة شرائطها ولا تقصروا من هيئتها كما أذن لكم حال الخوف . ثم علل وجوب المحافظة على الصلاة حتى في وقت الخوف ولو مع القصر منها فقال ( إِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتاباً مَوْقُوتاً ) يقال وقت العمل يقته ووقته توقيتا إذا جعل له وقتا يؤدّى فيه : أي إن الصلاة كانت في حكم اللّه فرضا مؤكدا في أوقات